فخر الدين الرازي
80
شرح الفخر الرازى على الاشارات
أن هذا الاحتجاج ليس بجيد لان من قال الخير وجود والشر عدم ربما يمكن أن يكون غرضه من ذلك تفسير لفظ الخير بالوجود ولفظ الشر بالعدم وحينئذ لا حاجة إلى ذلك الاستدلال والاحتجاج لان لكل أحد أن يفسر أي لفظ شاء بأي معنى شاء وان كان غرضه منه أن يحكم على الخير بأنه لا بد وأن يكون موجودا وعلى الشر بأنه لا بد وأن يكون معدوما حتى بكون ذلك قضية موضوعها الخير ومحمولها الموجود فهذا انما يتأتى بعد قصور ماهية الخير والشر وكلامنا الآن فيه فثبت ان الذي ذكروه غير جيد ثم بتقدير النزول عن هذا المقام فهو تعويل على مجرد المثال وقد عرفت انه لا يفيد اليقين واعلم أن الناس لا يريدون بلفظ الشر في العرف العام المشهور الا الألم أو ما يكون مؤديا اليه ثم إن العلم الضروري حاصل بان الألم أمر وجودي ولا خلاف فيه بين العقلاء بلى من الناس من زعم أن اللذة عبارة عن زوال الألم فجعلها أمرا عدميا لكن لا خلاف بينهم في كون الألم أمرا وجوديا وإذا كان الامر كذلك ظهر أن الذي يعنيه الناس بلفظ الشر أمر وجودي وأما الخير فقد يطلق على عدم الألم فيقال للانسان الذي يكون في السلامة انه في الخير وقد يطلق على اللذة وإذا عرفت هذا التفصيل فلنترك الكلام في العبارات ونقول حال الحيوان لا يخلو عن أحد أمور ثلاثة اما أن يكون في اللذة أو في الألم أو يكون خاليا عنهما أما اللذة فمن الناس من أنكر وجودها وهو محمد بن زكريا لرازى فإنه زعم أن لا معنى للذة الا زوال الألم فاللذة التي نجدها عند الاكل لا معنى لها الا زوال ألم الجوع واللذة التي نجدها عند الشرب لا معنى لها الا زوال ألم العطش فإنه متى كان الجوع والعطش أشد كانت اللذة الحاصلة بالاكل والشرب أقوى وكذا اللذة الحاصلة في الصيف من الجلوس في الهواء البادر وفي الشتاء في الهواء الحار دفع ألم الكيفية المؤذية وكذا اللذة الحاصلة من ليس الملابس وركوب المراكب واللذة الحاصلة من الجماع انما كانت لدفع الفضلة المؤذية وأما الأكثرون من الفلاسفة والمتكلمون فقد اتفقوا على ابطال هذا القول لوجوه أولها أن العدم يستحيل فيه التفاوت بالشدة والضعف فلو كانت اللذة أمرا عدميا لما كانت لذة أقوى من لذة أخرى وثانيها أنا نلتذ بادراك صوت أو صورة ندركها قبل أن يخطر ببالنا وجودهما حتى لا يقال إن الالتذاذ انما كان لدفع ألم الشوق ففي هذه الصورة قد حصلت لذة من غير زوال ألم وكذلك نلتذ بمشاهدة بعض الاشخاص ولا يلحقنا بفقدانهم ألم حتى يقال اللذة خروج عن المؤلم وثالثها ان كان يلزم أن لا يحسن من العقلاء عند ضعف شهواتهم أن يتداووا بالأدوية الكريهة ليلتذوا بالأطعمة لأنهم يتنزلون منزلة من يعذب نفسه لأجل أن يلتذ بترك أغذيتها في الحال الثانية فهذا ما قيل في ابطال قول محمد بن زكريا وإذا ثبت وجود اللذة فنقول المقصود من الخلق اما التعريض للذات أو للآلام أولا للذات ولا للآلام فاما التعريض للذات فان قلنا بقول ابن زكريا ظهر فساده وان اعترفنا بكونها أمورا ثبوتية لكنا إذا تأملنا وجدنا اللذة قليلة جدا بل الغالب على الخلق اما لالم أو دفع الألم لان الصحة لا معنى لها الا بقاء البدن خاليا عن الألم والذي يقال الصحة لذيذة فهي مكابرة لان اللذة حالة وجدانية فإذا لم نجدها من النفس استحال ادعاء وجودها وسيأتي لذلك زيادة تقرير في النمط الثامن وأيضا فالسلامة عن المؤذيات الخارجية والداخلية لا معنى لها أيضا الا عدم الألم أو عدم ما يؤدى إلى الألم وأيضا استقامة أسباب المعيشة من الدار والعقار والجاه والمال ليست الا وسائل لدفع الآلام المتوقعة وأما اللذة الحاصلة عند الاكل والشرب والجلوس في الهواء لطيب ولبس الملابس الطيبة فكل ذلك يرجع إلى دفع ألم الجوع والعطش واذى الحر والبرد لا يقال لو كان الامر كذلك لوجب أن لا يترجح طعام على طعام ومنكوحة على أخرى لأنه لما كان الغرض من الاكل والجماع دفع ألم الجوع وألم الفضلة المخصوصة وذلك حاصل بالكل وجب كون الكل مساويا كما أنه لو كان الغرض من الاصطلاء دفع ألم البرد لا جرم لم تترجح نار على نار لأنا نقول هذا باطل لاحتمال أن يكون السبب في ترجيح طعام على طعام بعد اشتراكهما في إزالة الجوع كون الطعام المكروه مؤلما بطبعه أو رائحته أو شكله أو مقارنا به لان كثرة تناولها ورث الملالة أو الطعام المطلوب موصوف بأضداد هذه الصفات فلا جرم يرجح طعام على طعام ومنكوحة على أخرى فتقرر بما بينا أن الغالب على أحوال الخلق اما الألم أو اما دفع لالم وان اللذة الحاصلة التي هي كيفية وجودية زائدة على زوال لالم ليست الا في صورة نادرة جدا كالنظرة في البحر مثل ما عددتموه من الالتذاذ بصورة أو صوت ما عرف وجودهما قبل ادراكهما ومثل ما يشبه ذلك وأما الآلام فكثيرة جدا وان كان بعضها في غاية القوة كالأمراض وبعضها ضعيفة وهي